الأحد، 3 مارس 2013

عند الإشارة .. تكون الساعة*








في الثمانينات, حين لم يكن الوقت رائجًا, كان الرجل الواقف خلف سماعة الخط الأرضي الذي يحمل الرقم 961,  ذاك الرجل ذو الصوت الهادئ الذي يتقاضى ريالاً عن كلّ مرّة تسأله عن الوقت, كان هو المتحكم الرئيسي بالوقت, وبحسب توقيت ساعته تسير الدولة, يؤذَّن للصلاة, يصيح الديك أحيانًا, تطير طائرات الخطوط المحلية, وتتأخر كذلك, يعلن هلال شهر رمضان, ويذيع ماجد الشبل نشرة الأخبار الرئيسية, ويتفاخر الأطفال الذين تسنى لهم شراء ساعات يدوية, أمام أطفال آخرين حظوا بذات الشرف, أيّهم يحمل الساعة الأكثر دقة, الأطفال الذين لم ينتبهوا بعد أنّ الساعة ذات العقارب التي يتوقون لاقتنائها سوف تلاحقهم وتأكل حياتهم لآخر ما يتبقى منها.
كان الوقت يعني بالضرورة المعنى الفيزيائي للساعة الدائرية في صوالين المنازل السعودية, في منتصف الصالة وفي مقابل مدخلها, قبل أن تظهر الساعات الرقمية كان الوقت هامشيًا آنذاك وتنحصر استخداماته في بدء المدرسة والعمل وانتهائهما, وإذا ما كان السعوديون قد تناسوا عمدًا كل الموروث الشعبي والديني الحاثّ على الاستفادة منه بأقصى طاقة ممكنة, فإن ذلك لم يثبط من عزيمة الرجل الكريم الذي ما فتئ يذكّر السعوديين بالوقت وفي أي وقت أو مكان, ورحابة صدره وهو يستقبل الشتائم التي يطلقها الأطفال الذين تعلموا للتو في شوارع المدن السعودية شتائم جديدة ولم يجدوا أحدًا مناسبًا للشتم.


*مقدمة رواية " خيانات السيد وقت" لـ أحمد البشري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق