
لم
أقف بعد
..
هكذا
نبدأ حين نصبح بدناء بعض الشيء بفعل كسل الحزن، ونهم الإكتئاب، والجنوح إلى شرب
الكحول ذات السعرات الحرارية المرتفعة، ومن ثم التقيؤ، والعودة إلى شرب كميات أكبر
في اليوم التالي، وهو ما يعني سعرات حرارية أكثر، تسبقها وجبات دسمة.. ولأني
أعلم اني سأسرف في الشرب، وستكون الليلة تعيسة، ثملة، ورائحتها كريهة مثلي ..
لم أقف..
وذلك
يشمل بالضرورة أني لم أقف مخالفاً لتعاليم المرور، ولا لتعاليم بوذا الكبير، لم
أقف على رأسي، أو على طابور المخبز، لم أقف متأملاً صورة في معرض جوال، لم اقف في
وجه الحب لأنه أقوى مما يبدو عليه في أغنية لعبدالحليم، لم أقف في وجه إعصار
كاترينا لأنني لم أكن هناك، ولم أقف في المرمى حين كان القدر يهم بتسديد الكرة بين
الخشبات الثلاث لأنني لا أعرف حجم الكرة التي سيسددها بإتجاهي، ولستُ واثقاً من
قوة أقدامه إن كان له أقدام، ولذلك تنحيت جانباً.. وليتني لم أفعل.
ولأنني لم أقف ..
وقفت
فيما بعد لأنتظر كل شيء، أولاً انتظرت الذين وقفوا في المرمى تلك العشية، منتظراً
ما سيكون بعد أن تنتهي المباراة- لكنها لم تنتهي- ثم وقفت أنتظر الغائبين، وحين
تأكدت من مغزى الغياب إنتظرت الغياب أن يقف، ولم يفعل، ولم يمهلني أيضاً لالتقط
أنفاسي، لم أقف لأعرف أين يجب أن أضع قدماي لأقف بالشكل الصحيح، فأنا حين نظرت في
المرة الأخيرة إلى الأرض التي سأقف عليها كانت الأرض تشبهني
تماماً، لولا أنها أجمل بقليل، أرض بلا شوارب، إنكسرت أسنانها مبكراً مثلما حدث
معي، وسدد عليها القدر الكرة بشيء من القوة التي سددها تجاهي، وبقيت رغم ذلك مخضرة
لكنها لم تكن مستعدة .. لذلك لم اقف.
لم أقف ..
مع
أنني أريد ذلك، وأعرف انني اريد أن أقف لأنظر خلفي، لأجيب عشرات الأصوات التي ظلت
تصرخ خلفي، وأهش الكلاب التي عوت بأعلى صوتها، ثم حين ملت نبحت بصوت أعلى، الكلاب
الذين ظننتهم ذئاب، الذين لا يعرفون كيف يقفون بدورهم، المستذئبة، السائبة،
المتوحشة بسبب إعتيادها على العيش مطاردة من القدر، الهاربة من وجهة العدالة إلى
وجه البرية الآمن، التي تجوع وهي تأكل فتبحث عن طرائد أخرى تشبهني، طرائد ينهكها
الركض ولا تقف.
لم اقف..
ولا
أعرف الآن كيف أقف، ركباتي واهنتان، وحذائي البني لا يبدو مناسباً بعد الآن،
وملابسي ضيقة لأنني بدين بعض الشيء كما ذكرت، وبفعل البدانة والحرارة والعرق
ستتعرق مؤخرتي وظهري وما بين فخذاي وهو ما يعني بالضرورة حساسية شديدة، لا أعرف
كيف أقف لأني لا أعرف من أي مكان سوف تطلع الشمس، ربما ستغير رأيها لتباغتني فقط،
لأنها تظنني الوحيد الذي يجب أن تعاقبه بشدة، أعلم أن الشمس تتآمر ضدي فلا مبرر
لضياع نظارتي الشمسية بأستمرار، وإذا ما حاولت تذكر بداية المؤامر فأنني سأتذكر
فوراً أنها بدأت مذ قررت أن لا أضع عيني بعينها. لذلك لم تتوقف الشمس عن إيذائي
ولم أقف
..
لم
أقف عن الظن بأن الليل يكيد لي المكائد، وبأن الشمس عدوتي، وبأن كل صانعي الأفلام
التراجيدية والحزينة يملكون شيء ضدي، وبأن كتاب الأغاني والمطربين والملحنين يعدون
أغانيهم لينتقموا مني، وبأن الشعراء الذي كتبوا أو يهمون بكتابة قصائد الرثاء
ليسوا إلا مناديب لنيل مني، وبأن 90 % من الرسامين والمصورين وسعاة البريد
الذين لا يصلونني، والبحارة الذين تحولت مووايلهم للحديث عني .. ضدي
لم أقف .. واريد أن أتخذ قراراً بشأن ذلك
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق