الأربعاء، 25 يوليو 2012

في معنى أن أكبر

 



مالذي يشعر به أولئك الذين يتقدمون في العمر، لاشك بأنهم يشعرون بتصلب عضلات سيقانهم، العضلة الخلفية تحديداً، حين يصبح المشيء جزء من الألم اليومي، الذين يشعرون بأنهم تقدموا في العمر يخافون العنب، والمرتفعات، يخافون اللون الأحمر بكل تأكيد، ويأملون بأن يبقى القلب أخضراً والطريق إليه غير محفوف بالمخاطـر، كما أنهم يدركون جيداً بأن هناك دائماً ثقل يحل أينما حلوا، ويرتحل معهم إذا ما ركبوا أحلامهم بأتجاه المستقبل، ثقلٌ يخبرهم أحياناً بأن العمر لم يعد يستمع إلا لأصوات المفاصل التي تموت ببط.    

لا يعني أن تتقدم في العمر بأنك تشيخ، ذلك أمر مرعب بحد ذاته، والصوت الذي سيبح قريباً يرعب كذلك، انحناءة الظهر، الوهن، نقص النظر، الكرش الذي يكبر، عرق النساء، الدوالي، سقوط الأسنان الخلفية، تضائل فرصك للإنجاب، أزدياد نسب إصابتك بالإكتئاب، الصلع، ويرعبني أكثر أن اتقدم بالعمر وتتناقص خياراتي في الحياة، يرعبني أن أنظر إلى نفسي في منتصف العمر لأجد الطريق خلفي طويل، والطريق أمامي غائم كلياً، وبأني قد إستهلكت الكثير من حياتي لأفهم من أنا، وحين فهمتني كان الوقت قد فات لأستطيع تغيير الأشياء حولي.
 

يعني أن تكبر كذلك، أن ترعبك الفكرة التي توحي لك بأن البقاء وحيداً لم يعد خياراً، بل حقيقة، وبأنك حتى وأن بدوت متأنقاً للقدر وترخي له طرفك من حين لآخر، وتعرف بأنه يعرف حقيقة نهايتك، ومع ذلك لا يمكنك تغافله، أو مباغته لأنه "القدر"، ويعرف خطوتك القادمة، الخطوة التي تشير إلى أن حلقتك الأخيرة تدنو أكثر، وفي القريب لن يستطيع أحداً إخفاء تجاعيد وجهك، ولن تستطيع أنت إخفاء تقدمك في العمر.


مالذي يعنيه أن تتقدم في العمر أيضاً، وفي الوقت ذاته لا تشيخ، يعني بالضرورة أنك تتنازل عن بعض حقوقك في البقاء صغيراً، وحقوقك في التصرف بطيش، وبأن تترك مجالس الكبار حين تمل، وبأن تمتنع عن لعق الإيسكريم في الشارع، ولا تمشي حافياً، أو تشق سراولك في منطقة الركبة، وتضطر لأن تدفع مالاً لأشخاص لا تعرفهم لتنام في بيتك، وحتماً ستتوقف عن الحلم بأنك حين تكبر ستكون طياراً حربياً، او طبيباً جراحاً يعالج مرضاه بلا ثمن، وتتخلى عن اللعبة الوحيدة التي تقبل النوم إلى جانبك.

الأحد، 22 يوليو 2012

الظل أبيض أحياناً



 http://smashinghub.com/wp-content/uploads/2010/07/shadow-1.jpg


 

أحسد نباتات الظل على حياتها، فكل تفاصيل تلك الكائنات تبدو مذهلة، وإذا ما قُدر لي يوماً أن أتحول من كوني بشرياً إلى أي شيء آخر فأنني لن أتردد في سؤال الله أن ينسخني إلى نبتة ظل، خضراء بالطبع وبلا رائحة، حيادية، تقف في المنتصف مابين الضوء والظل، لا تزعجها الشمس التي تتسرب من النوافذ، ولا يخيفها الظلام.

نباتات الظل لا تعنيها كثيراً عملية البناء الضوئي، كما أنها وبروح طيبة لا تطلب غرفة خاصة ولا سرير، كما يمكنها النوم واقفة، ولا تسرف في الشرب، يمكنها أن تكون شماعة، تجيد معاملة الأطفال حتى وأن اساؤوا لها، لا تحب الإطراء، ولا المواساة، تحب العيش وحيدة ولا يضجرها وجود الآخرين أيضاً، لا تفسد ليال العشاق، ولا تشي باللصوص حتى وأن سلطوا المصابيح على أوراقها، تعرف ما لها ولا تطالب به، وتعرف ما عليها وتبذل أكثر منه، تبكي منزوية دوماً ولا تترك أثراً لدموعها. كما انها وللأسف الجميل لا تعرف موطنها الأصلي ولا تحن إليه.

أشجار الظل التي أعرفها لم تقابل ظلها قبل الآن، لذلك تقف دوماً مكتئبة حين تسألها النباتات الضوئية الآخرى عن لون ظلها، وإذا ما كان ذلك الظل يسقط بعكس أتجاه الشمس كما يحدث عادةً، وتسمع من الكائنات الآخرى بأن الظل يأتي دائماً أسود، وفي حالات نادرة يأتي رمادي، وتسمع أيضاً ضحكاتهم كلما أخبرتهم بأن لون ظل النباتات من بني جنسها أبيض، تقول ذلك برغم أنه لم يسبق لها أن رأت ظلها، وبأن ذلك اليقين ليس إلا ما أخبرتها به أمها عشية يوم عاصف.



الأحد، 8 يوليو 2012

الرجل الذي يفزعه ظله!!

http://www.oldmissiontavern.com/images_bellagal/Worry%20PeopleOpt.jpg

لم أقف بعد ..
هكذا نبدأ حين نصبح بدناء بعض الشيء بفعل كسل الحزن، ونهم الإكتئاب، والجنوح إلى شرب الكحول ذات السعرات الحرارية المرتفعة، ومن ثم التقيؤ، والعودة إلى شرب كميات أكبر في اليوم التالي، وهو ما يعني سعرات حرارية أكثر، تسبقها وجبات دسمة.. ولأني أعلم اني سأسرف في الشرب، وستكون الليلة تعيسة، ثملة، ورائحتها كريهة مثلي  .. 

لم أقف..
وذلك يشمل بالضرورة أني لم أقف مخالفاً لتعاليم المرور، ولا لتعاليم بوذا الكبير، لم أقف على رأسي، أو على طابور المخبز، لم أقف متأملاً صورة في معرض جوال، لم اقف في وجه الحب لأنه أقوى مما يبدو عليه في أغنية لعبدالحليم، لم أقف في وجه إعصار كاترينا لأنني لم أكن هناك، ولم أقف في المرمى حين كان القدر يهم بتسديد الكرة بين الخشبات الثلاث لأنني لا أعرف حجم الكرة التي سيسددها بإتجاهي، ولستُ واثقاً من قوة أقدامه إن كان له أقدام، ولذلك تنحيت جانباً.. وليتني لم أفعل.

ولأنني لم أقف ..
وقفت فيما بعد لأنتظر كل شيء، أولاً انتظرت الذين وقفوا في المرمى تلك العشية،  منتظراً ما سيكون بعد أن تنتهي المباراة- لكنها لم تنتهي- ثم وقفت أنتظر الغائبين، وحين تأكدت من مغزى الغياب إنتظرت الغياب أن يقف، ولم يفعل، ولم يمهلني أيضاً لالتقط أنفاسي، لم أقف لأعرف أين يجب أن أضع قدماي لأقف بالشكل الصحيح، فأنا حين نظرت في المرة الأخيرة إلى الأرض التي سأقف عليها  كانت الأرض تشبهني تماماً، لولا أنها أجمل بقليل، أرض بلا شوارب، إنكسرت أسنانها مبكراً مثلما حدث معي، وسدد عليها القدر الكرة بشيء من القوة التي سددها تجاهي، وبقيت رغم ذلك مخضرة لكنها لم تكن مستعدة .. لذلك لم اقف.

لم أقف ..
مع أنني أريد ذلك، وأعرف انني اريد أن أقف لأنظر خلفي، لأجيب عشرات الأصوات التي ظلت تصرخ خلفي، وأهش الكلاب التي عوت بأعلى صوتها، ثم حين ملت نبحت بصوت أعلى، الكلاب الذين ظننتهم ذئاب، الذين لا يعرفون كيف يقفون بدورهم، المستذئبة، السائبة، المتوحشة بسبب إعتيادها على العيش مطاردة من القدر، الهاربة من وجهة العدالة إلى وجه البرية الآمن، التي تجوع وهي تأكل فتبحث عن طرائد أخرى تشبهني، طرائد ينهكها الركض ولا تقف.

لم اقف..
ولا أعرف الآن كيف أقف، ركباتي واهنتان، وحذائي البني لا يبدو مناسباً بعد الآن، وملابسي ضيقة لأنني بدين بعض الشيء كما ذكرت، وبفعل البدانة والحرارة والعرق ستتعرق مؤخرتي وظهري وما بين فخذاي وهو ما يعني بالضرورة حساسية شديدة، لا أعرف كيف أقف لأني لا أعرف من أي مكان سوف تطلع الشمس، ربما ستغير رأيها لتباغتني فقط، لأنها تظنني الوحيد الذي يجب أن تعاقبه بشدة، أعلم أن الشمس تتآمر ضدي فلا مبرر لضياع نظارتي الشمسية بأستمرار، وإذا ما حاولت تذكر بداية المؤامر فأنني سأتذكر فوراً أنها بدأت مذ قررت أن لا أضع عيني بعينها. لذلك لم تتوقف الشمس عن إيذائي ولم أقف ..
لم أقف عن الظن بأن الليل يكيد لي المكائد، وبأن الشمس عدوتي، وبأن كل صانعي الأفلام التراجيدية والحزينة يملكون شيء ضدي، وبأن كتاب الأغاني والمطربين والملحنين يعدون أغانيهم لينتقموا مني، وبأن الشعراء الذي كتبوا أو يهمون بكتابة قصائد الرثاء ليسوا إلا مناديب لنيل مني، وبأن 90 % من الرسامين والمصورين وسعاة البريد الذين لا يصلونني، والبحارة الذين تحولت مووايلهم للحديث عني .. ضدي

لم أقف .. واريد أن أتخذ قراراً بشأن ذلك